كتاب "حروب العشيرة": حكم مرسي زاد الانقسام.. والرئيس سار وفق "كتالوج" مبارك

كتاب "حروب العشيرة": حكم مرسي زاد الانقسام.. والرئيس سار وفق "كتالوج" مبارك
هذه صفحات عن شهور الريبة، في تلك الشهور التي بدأ بها الرئيس محمد مرسي عهده وعامه الأول في الحكم، وقعت أزمات لا لزوم لغالبيتها، وسالت دماء لم يكن من المقبول بأي حال أن تُراق في الشوارع والميادين وأمام قصر الرئاسة، واشتعلت النار في ثوب مصر، من دون أن يهب أحد لإخمادها قبل أن تلتهم جسد الوطن.
بهذه السطور يستهل الكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت كتابه: "حروب العشيرة: مرسي في شهور الريبة" الصادر عن دار اكتب، ليقدم قراءة في أداء الرئيس مرسي خلال عامه الأول في الحُكم.[FirstQuote]
ويمثل هذا الكتاب وقفة متأنية وموثقة مع الأداء والسياسات في عهد مرسي، إذ خرجنا من إدارة المرحلة الانتقالية من الإدارة بالكوارث إلى إدارة الفرص الضائعة وهدر الإمكانية، فلم تعد الدولة تحقق المصلحة، وعجزت عن توفير الأمن، وضمان العدل، ودعم التحول الديمقراطي، وتحقيق المساواة بين المواطنين وتطبيق مفهوم المواطنة، وسط رسوب وظيفي تام لأجهزة الدولة، ومساع حثيثة لفك ارتباط الشعب بثورته بعد تشويهها والتمثيل بها.
ويقول المؤلف إنه في عهد أول رئيس مدني منتخب في مصر، شهدنا فجوة بين الآمال والتوقعات من جهة والواقع والممارسة من جهة أخرى، وسارت الأمور في طريق أورث مزيدًا من الخلاف وأدى لمزيد من الاستقطاب والتنازع، وحرَّض على ظهور حمقى يريدون خرق سفينة الوطن.
ويضيف أنه وعلى مدار عام كامل من حكم الرئيس محمد مرسي، شهدنا إهمال شراكة وطنية واجبة، واتخاذ قرارات مترددة ومرتبكة أسهمت في إذكاء الانقسام والاستقطاب، مع هجوم حاد على كل من يخالف جماعة الحكم في الرأي، كما لو أن هناك من يعتقد أنه يحتكر الحقيقة المطلقة.
واندفع الجميع نحو أهداف جزئية ضيقة، بعيدًا عن الصالح العام كما تقتضي أهداف الثورات، فيما ضاعت الأولويات وغرق المجتمع في طوفان لزج من تفاصيل يومية لأحداث تتكرر يصنعها فارغو الرؤوس، عديمو الرؤية، كثيرو الكلام، قليلو الفعل.
ويقسم الدكتور ياسر ثابت كتابه إلى تسعة فصول، بدءًا من فصل يحمل عنوان "النائب العام.. وأنياب الرئيس"، الذي يستعرض فيه علاقة رؤساء مصر بالنائب العام على مر العهود المختلفة، قبل أن يستفيض في الحديث عن أزمة إقالة النائب العام عبدالمجيد محمود وحكاية منصب سفير مصر في الفاتيكان، قبل صدور الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 وتعيين طلعت عبدالله نائباً عاماً.
ويقول الكتاب إن مرسي سار في كثير من الأحيان وفق "كتالوج" مبارك، فوقع في الأخطاء نفسها، سواء مجال السياسة والاقتصاد والعلاقة مع القضاء.
ويرى المؤلف أن المشهد السابق لصدور الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 كشف عن وجود أزمات تستدعي التدخل الرئاسي العاجل؛ من المواجهات الدائرة قرب وزارة الداخلية في ذكرى مواجهات محمد محمود، إلى حادث قطار أسيوط، مرورًا بتأخر القصاص، والأحكام المتتالية ببراءة جميع المتهمين في قضايا قتل الثوار، وموجة الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات، فضلاً عن أزمة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وأدائها المنحاز والمنغلق.
غير أن مرسي ترك هذا كله وفتح جبهات جديدة للصراع والخلاف، وكان من المنتظر من أول رئيس مدني منتخب في مصر، أن يتبنى روحية وذهنية جديدة تؤسس لجمهورية ثانية ولمصر جديدة، إلا أن النظام استعاد الموروث القديم بإعلانات دستورية - منعدمة - بأسماء عدة: المكمل، والملغى، والجديد، والمفسر... إلخ، صبت كلها في إعاقة التحول الديمقراطي، مما أدى مباشرة إلى الدم وأصبح الوضع استمرارًا للجمهورية الأولى، وإن كان بشكل مختلف.
في تلك الفترة العصيبة، تورط الطرف الإسلامي في محظور إقحام الهوية الدينية في الصراع الذي هو سياسي بالأساس، ونسيت تلك القوى الإسلامية درسـًا مهمـًا من دروس ما بعد ثورة 25 يناير، وهو أن رفع الشعار الديني قد يؤدي إلى شروخ تقسم الأمة والمنتفضين، ولا يجمع من ثم بين قوى الاحتجاج السياسي، خصوصا أن بعضه يحمل في أعطافه بعضا من الاستعلاء أو التمييز الديني أو الذكوري، لاسيما من لدن بعض الغلاة.[SecondQuote]
هذا التعصب والانغلاق مهَّد لأحداث قصر الاتحادية التي سالت فيها دماء مصريين بيد أبناء وطنهم. وعوضـًا عن مساءلة قيادات جماعة الإخوان المسلمين على تصريحاتهم التحريضية التي مهَّدت للمجزرة، ألقى الرئيس باللائمة على "الطرف الثالث" وعلى الفلول، في خطابِ تخوينٍ نمطي للقوى الثائرة ولتبرير العنف المفرط الذي وقع، كما غض الطرف عن حوادث التعذيب التي مارسها أعضاء الإخوان ضد المعتصمين أمام قصر الاتحادية.
ويتوقف المؤلف عند تحرك ماكينات الاغتيال المعنوي ضد قضاة مصر، وعلى وجه الخصوص قضاة المحكمة الدستورية العليا، إذ توجه المئات من مؤيدي الإعلان الدستوري من جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي إلى مقر المحكمة الدستورية العليا بالمعادي، وحاصروها، في خطوة فتحت الأبواب واسعة أمام العديد من الشرور والانتكاسات السياسية والقضائية.
في العام الأول من حكم الرئيس مرسي، كان المصريون يستيقظون كل يوم على أزمات جديدة، ونقص آخر في الخدمات والاحتياجات الأساسية، مع أداء متردٍ على المستويين السياسي والاقتصادي. لم يكن مستغرباً والحال كذلك أن تشهد الشهور الستة الأولى من حكم مرسي 2400 احتجاج، بمعدل 400 احتجاج شهريـًا، بزيادة 68% عن آخر 6 أشهر من عهد الرئيس السابق حسني مبارك.
في فصل بعنوان "للخلف دُر"، يقول الكتاب: لعل أخطر أوجه الإخفاق النظام في عهد "الجمهورية الثانية" حتى الآن، هو الارتباك الواضح - إلى حد التضارب- في صناعة القرار الرئاسي والحكومي.
فقد كشف النظام وقادته الرئيسيون في عهد الرئيس محمد مرسي عن غيابٍ وبطء شديدٍ في المعالجة السياسية للقضايا الملحة والأزمات، وعن غياب واضح عن المشهد السياسي حين تكون هناك ضرورة لذلك. الأدهى من هذا وذاك، هو حالة التردد والتراجع عن القرارات والسياسات المتخذة، بما يشير إلى أننا أمام سلطةٍ تعاني الترهل وضعف الرؤية والحساسية والقيادة اليقظة والتخطيط السليم والدراسة المتعمقة قبل اتخاذ القرارات أو إطلاق تصريحات سرعان ما تتبخر في الهواء.
وفي كل مرة كان الرئيس مرسي يطلق تصريحات التهديد والوعيد، كانت الأزمة تكبر. إذا نفّذ ما قال تكون مشكلة، وإذا لم ينفذ ما قال تكون مشكلة. هكذا يضع الرئيس كلماته حيث لا يدري العواقب.
ويقول المؤلف إن ما شهدناه في العام الأول من عهد مرسي يدخل في باب "إدارة الأزمة" أكثر من "التخطيط" في عملية صناعة السياسات العامة. بمعنى آخر، سيطر طابع "رد الفعل" أكثر من "الفعل المبادر"، فضلاً عن مشكلة عدم القدرة على تنفيذ هذه السياسات العامة، بسبب ضعف التخطيط، أو نقص الموارد، أو غياب التوافق المجتمعي، أو التعدي على المبادئ الديمقراطية والدستورية والهيئات التي تمثلها.
"احترامـًا للقانون وحرصـًا على الشعب".. أسباب تعلنها رئاسة الجمهورية عادة، تبريرًا لإلغاء الرئيس المصري محمد مرسي أو الحكومة أحد القرارات المهمة، وخلال الأشهر السبعة الأولى من عهد مرسي، صدرت سبعة قرارات مهمة، لكنه تراجع عنها في وقت لاحق، في استنساخ مؤسف لفكرة إعلان الحكم ثم إجراء المداولة.
قضايا أخرى يرصدها الكتاب في باقي فصوله مثل "المال المنهوب" عن العجز في استرداد الأموال المنهوبة، والاكتفاء بالتصالح مع رجال أعمال بعينهم في ظل إعادة رسم خارطة الاقتصاد المصري لمصلحة كبار رجال الأعمال من الإخوان وخاصة خيرت الشاطر وحسن مالك.
أما فصل "عندما تصمت الحقيقة"، فإن الكاتب يخصصه لرصد وتحليل الصراع بين السلطة في عهد مرسي ووسائل الإعلام. ينطلق المؤلف من يوم الثلاثاء الموافق 4 ديسمبر 2012، الذي كانت مصر فيه على موعد مع احتجاب الحقيقة. فقد احتجبت 11 صحيفة حزبية ومستقلة الاحتجاب، احتجاجـًا على مواد الصحافة والحريات بمشروع الدستور، تنفيذًا لقرار مجلس نقابة الصحفيين بالاحتجاب، حال استمرار تجاهل الجمعية التأسيسية مطالب الجماعة الصحفية.
كان الحدث استثنائيـًا في ظل تضامن خمس قنوات فضائية - وهي قنوات ONTV و"دريم" وCBC، و"الحياة" و"القاهرة والناس"- مع الصحف وتعهدها بتسويد شاشاتها في اليوم التالي مباشرة، من الساعة 6 مساء حتى 12 صباحـًا، وهو ما تعذر إنجازه إثر تفجر الأوضاع وتصاعد حدة المواجهات الدامية والمؤسفة أمام قصر الاتحادية الرئاسي.
وتزامن قرار تسويد شاشات قنوات فضائية مصرية مع تصاعد وتيرة استهداف قوى إسلامية – بقيادة حازم صلاح أبو إسماعيل- لمدينة الإنتاج الإعلامي، رغم أن القنوات الفضائية العاملة فيها كانت وسيلة الإسلاميين أنفسهم للظهور للرأي العام والحصول على الشرعية، في زمن المنع والحظر في عهد مبارك.
ويشير المؤلف إلى أن الفترة منذ تولي الرئيس مرسي في 30 يونيو 2012 حتى مطلع مايو 2013 اتسمت بخصوصية شديدة فيما يتعلق بالاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون المصريون، بالنظر إلى ما شاب تلك الفترة من اشتباكات عنيفة في الاتحادية والمقطم وغيرهما، حتى بلغ عدد الصحفيين المصريين الذين تعرضوا لاعتداءات مرصودة 64 صحفيـًا يمثلون 31% من إجمالي الصحفيين المصريين الذين تعرضوا لاعتداءات منذ ثورة 25 يناير.
يذكر أن للدكتور ياسر ثابت مؤلفات عدة، منها "قصة الثروة في مصر"، و"محاكمة الرئيس: البحث عن القانون الغائب"، و"قبل الطوفان"، و"جمهورية الفوضى"، و"شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي".


حروب العشيرة