انسف عاصمتك القديمة
- أم كلثوم
- إدارة الشركة
- الأوبرا المصرية
- البرلمان المصرى
- التراث المعمارى
- التطوير والتنمية
- التنسيق الحضارى
- الجيش المصرى
- آثار
- آمون
- أم كلثوم
- إدارة الشركة
- الأوبرا المصرية
- البرلمان المصرى
- التراث المعمارى
- التطوير والتنمية
- التنسيق الحضارى
- الجيش المصرى
- آثار
- آمون
لم أرَ، ولا أظن أن أحداً قد رأى أو قرأ عن دولة حديثة تم تدمير تراثها المعمارى وآثارها وعلاماتها التاريخية الهامة بلا زلازل ولا براكين ولا قنابل ذرية مثل التى دمرت هيروشيما وناجازاكى فى الحرب العالمية الثانية.. لم أرَ دولة يتم تدمير تراثها المعمارى والأثرى بيد أبنائها وحكوماتها وتحت سمع وبصر رؤسائها، وبمباركة التطوير والتنمية، وبتخطيط متقن وتوقيت منتظم ومتواصل مثل مصر المحروسة، أو على وجه الدقة التى كانت محروسة، منذ يوليو 1952 وحتى يومنا هذا. وفى البدايات القديمة تم شق طريق صلاح سالم فى قلب حرم قلعة «محمد على» وفُصلت قلعة صلاح الدين عن قلعة محمد على التى أصبحت بقاياها فوق هضبة المقطم تبعد عن عين السائح وتنقطع عن علم الآثار وعن لسان الأثريين وفكرهم، وتوالى تدمير المنطقة بواسطة البناء الحديث القبيح الذى يرتفع يوماً بعد يوم فى سفح الجبل وهو يحجب الطريق المنزلق الذى بناه محمد على ليصل من أعلى القلعة إلى دار ضرب السكة مباشرة.. ثم جاءت «يناير» المجيدة فتم القضاء على المنطقة بالكامل، وهى الآن على يسار الطريق الصاعد للمقطم، قطعة من العشوائيات الغنية التى يصل ارتفاع المبنى الأحمر فيها إلى ثمانية أدوار، وانتهى الأمر.
فى السبعينات حُرقت دار الأوبرا المصرية، وبذكاء منقطع النظير تقرر إقامة جراج متعدد الطبقات مكانها، وكان هذا أول معول هدم لميدان الأوبرا الذى كان أجمل من ميادين باريس فى زمانه، وتقلصت مع الوقت حديقة الأزبكية التى شيّدها مدير حدائق القصور الفرنسية، ودُمر سور الأزبكية، وكان واجهة حضارية ثقافية ليس لها مثيل.. ثم جاء كوبرى الأزهر، وتبعه نفق الأزهر، وأُغلقت سينما أوبرا وشُيدت فوقها عمارة ضخمة لا علاقة لها بالمكان، وهكذا لم يتبق فى الميدان إلا تمثال إبراهيم باشا يقف وحيداً غريباً عن منطقة تم تشويهها بالكامل. وفى النهاية جاء الدور على فنذق الكونتيننتال القديم المواجه للتمثال، هذا المبنى الذى كان فريد عصره، والذى تم بناؤه عام 1899 ويبلغ عمره الآن 116 عاماً لا يُعتبر فى نظر الدولة أثراً بل فندقاً قديماً لا بد من هدمه لإقامة مكان آخر حديث وكبير به مولات ومطاعم صينى وهندى.. هذا الفندق الذى عاش اجتماع البرلمان المصرى عام 1926 برئاسة سعد زغلول والذى أعلن فيه الملك فؤاد قرار استقلال مصر عن إنجلترا بعد تصريح فبراير 1922 الشهير، والذى تحول بعده السلطان فؤاد إلى ملك، أقام به العديد من مشاهير التاريخ مثل اللورد كارنا فون الذى موّل حفريات كارتر إلى أن تم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، وغيره، وغيره من الشخصيات والأحداث، غير مصرح لأحد بالإدلاء بأية معلومات عنه دون تصريح من رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للسياحة والفنادق «إيجوث» المالكة للفندق كما تقول «الأهرام». ويبدو، والله أعلم، أن الموضوع فيه صفقة كبيرة. فى جميع دول العالم المتحضرة التى تفهم أن التراث المعمارى كنز سياحى كبير يعاد بناء الفندق لو كان غير قابل للترميم، ويتم بناؤه بنفس طرازه القديم، ويتم الاحتفاظ بالواجهة القديمة، خاصة أن الفندق مسجل ضمن المبانى المميزة معمارياً.. لكن، وآه من لكن، رغم الكلام والكتابة والمساءلة والصراخ سوف نفاجأ ذات صباح ببدء الهدم، ونخضع للأمر الواقع. والحقيقة أن هيئة التنسيق الحضارى وُلدت، يوم وُلدت، بلا قرارات ملزمة، ولا مخالب، ولا سلطة غير إبداء الرأى والاعتراض، فهى مثلنا تماماً فى العجز وعدم القدرة على وقف التدهور الحضارى المتواصل. وكما تم هدم قصر «بشارة» فى أسيوط منذ أيام بحكم محكمة لإقامة مول تجارى مكانه، وكما تم من قبل إزالة كوبرى أبوالعلاء الذى صممه مهندس فرنسى وشُيد أيام الخديو عباس حلمى وأقيم بدلاً منه كبارى أسمنتية شوهت المكان والنيل والميدان وسقفت شارعاً من أجمل شوارع القاهرة اسمه شارع الزمالك، وكما تم إزالة مترو مصر الجديدة الذى بدأ معها منذ أكثر من مائة عام وكان أهم وأجمل معالمها، تم تدمير حديقة الميرىلاند الشهيرة وتقطيع أشجارها. ولم أعرف إلى يومنا هذا من المسئول، وماذا يقصد، ولمصلحة من، وكما تم ترك المبانى تزحف بتصاريح حكومية قوية إلى هضبة الأهرام لتكون الآن قريبة جداً من مدخل منطقة الأهرامات الجديد الذى يبدأ من طريق الفيوم ضمن خطة تطوير المنطقة.
فى «سالز برج» مدينة الموسيقار العالمى موتسارت تم بناء منزله وبناء منزل والده بعد أن تم تدميرهما فى الحرب العالمية بالكامل ومن جديد. ومن يذهب إلى هذه المدينة يجدها تعيش سياحياً على منزل موتسارت، ونحن هدمنا ڤيلا أم كلثوم لصالح الورثة يوم أن رفضت الحكومة دفع اثنين مليون جنيه كان يمكن إرجاعهما فى عام واحد لو تم تحويل الڤيلا إلى متحف، وتُركت شقة عبدالوهاب لمالك العمارة، وذهبت آثاره، وكذلك توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.
هل تأخذ العاصمة الجديدة كل الاهتمام الآن، وهل أغلق ملف العاصمة التاريخية والقاهرة الخديوية التى كانت درة مصر والعالم، وهل نعيش بلا ذاكرة ونفقد تراثنا بكامل وعينا وإرادتنا ثم نعود بعد فوات الآوان لنولول على ما فات وما هُدم وما تُرك لشركات الفنادق وصفقات رجال الأعمال.. وماذا لو تم هدم الكونتيننتال؟ ولماذا نترك إبراهيم باشا هذا الفاتح العظيم ومؤسس الجيش المصرى الحديث فى مكانه هذا؟ أظن أن الأفضل إزالة هذا التمثال الذى سيكون نشازاً صارخاً فى منطقة غريبة عنه تماماً، ولنضعه فى أحد المخازن مؤقتاً، ثم نعيد وضعه فى مكان آخر لا يعرفه ولا ينتمى إليه.. وليكن شعارنا مثل إعلان السيراميك القديم «انسف عاصمتك القديمة».. ولا تنظر خلفك فى غضب عزيز المصرى.