الموضوعية على «المزاج»..!

احتج بعض أعضاء اللجنة المختصة بالنظر فى الإفراج عن الشباب الذى يقبع خلف القضبان حالياً بمعيار التهمة الموجهة إلى الشاب لتحديد قائمة المفرج عنهم، فاستبعدوا كل من نسبت إليه تهمة الإرهاب أو التخريب أو الاعتداء على الأفراد أو المنشآت، وبناءً على ذلك استبعدوا أحمد دومة وعلاء عبدالفتاح وأحمد ماهر من قائمة المفرج عنهم. المعيار يبدو موضوعياً ولا غبار عليه. فهل من الممكن لعاقل أن يجادل فى أمر كهذا؟!. ما أستغربه حقاً من هؤلاء ومن الإعلاميين والسياسيين الذين يدورون فى فلكهم أن بعضهم تجرأ على هذا المعيار الموضوعى فى أكثر من مناسبة وأسقطه من حساباته، عندما لم تأتِ الموضوعية على هواه.

لعلك استمعت إلى الدعوات التى خرجت على ألسنة البعض منادية بالعفو عن مبارك، وإعادته إلى بيته لينعم بالدفء بين أبنائه وأحفاده. يردد هؤلاء ذلك رغم أن «مبارك» أدين بحكم بات يدمغه بسرقة المال العام هو وأنجاله. كما يعلم أصحاب المواقف الموضوعية هؤلاء أن «مبارك» تغيب 4 مرات عن حضور جلسة محكمة النقض التى تتولى النظر فى إعادة محاكمته فى القضية المعروفة بـ«محاكمة القرن» التى يواجه فيها اتهاماً بالمسئولية عن قتل المتظاهرين إبان ثورة 25 يناير التى شارك فيها «دومة وعلاء وماهر». الموضوعية تقول إن الجميع سواء أمام القانون، والموضوعية تقتضى منا اعترافاً بما آلت إليه الأمور وما أصبحت تحمله من مفارقات بين من يدعون إلى إطلاق سراح متهم بالمسئولية عن قتل ثوار يناير، ومن يصرون على سجن شباب من المشاركين فى الثورة، يعلم الجميع الظروف التى وجهت إليهم فيها هذه التهم، خلال فترة انتفاض شعبى واسع ساد المرحلة التى تلت إقصاء مبارك عن الحكم (فبراير 2011)، والكل يعلم أيضاً من الذى بنى وأسس التحريات التى تم الاستناد إليها فى دمغهم بهذه التهم. الموضوعية تقتضى ألا نهدر السياق ونحن نحلل أى ظاهرة أو فعل إنسانى، وإذا كانت الإنسانية المفرطة التى يتمتع بها البعض دفعتهم إلى المطالبة بإعادة «مبارك» إلى حياته الطبيعية، بحكم أنه رجل طاعن فى السن، فالموضوعية تقتضى أن يتم أخذ سن هذا الشباب الذى يقبع خلف السجون فى الاعتبار، والالتفات إلى أن العقوبات التى يخضع لها تمثل قضاءً على مستقبله، فى وقت يدافع فيه البعض عن أشخاص يستقبلون آخرتهم!

لقد سعدت عندما علمت أن من بين الأسماء التى ستشملها الدفعة الأولى من المفرج عنهم كلاً من إسلام بحيرى وأحمد ناجى، فرغم اختلافى فى الرأى مع كليهما، فإننى أرى أن من الظلم البين أن يسجن إنسان لرأى يراه أو لإبداع أنتجه، بغض النظر عن تقييمنا له. ما أفهمه أن الرأى يرد عليه بالرأى، وما قد نراه سيئاً ربما استحسنه آخرون، والناس فيما يعشقون مذاهب. وفى هذا المقام من المهم أن نشير إلى أن الموضوعية تقتضى أيضاً النظر فى أوضاع كل المدانين أو من هم رهن التحقيق فى قضايا مماثلة، ليس فى مجال الإبداع الفكرى والفنى فقط، بل كل أصحاب الرأى وكل من يؤمن بفكر طالما لم يدفعه ما يؤمن به إلى أذى الآخر. العدل حلو!