حكومة من بنها

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

خلال الأيام القليلة الماضية عاش المصريون حالة قلق ورعب وفزع بالغ وخوف من مصير مجهول محتوم، حذر منه إعلاميون وسياسيون ومفكرون وباحثون واقتصاديون قالوا عن أنفسهم إنهم عارفون بدقائق الأمور وما غاب من المعلوم.

الحق يا جدع الحكومة حتعوِّم الجنيه.. الحق يا جدع الجنيه حيغرق.. الحق يا جدع الدولار حيبقى بعشرين جنيه.. الحق يا جدع الأسعار حتتضاعف.. الحق يا جدع حتحصل كارثة.. الحق يا جدع مش حنلاقى السلع فى الأسواق.. انتى فين يا حكومة؟ أيوة كل ده حيحصل إن آجلاً أو عاجلاً.

ما سبق كله ليس من عندى ولا كلماتى، وإنما هى الكلمات والتحذيرات والتوصيفات المرعبة التى استخدمها مذيعون ومذيعات إلى جانب ضيوف برامج التوك شو على الفضائيات المصرية، على مدار ما يقرب من أسبوع كامل، كنا نتلقى كل هذه المصائب قبل أن نذهب للنوم، ونحن نتوقع أن نستيقظ فنجد أن الجنيه قد عام وغرق كمان.

على مدار أسبوع تقريباً، أتنقل بين برامج التوك شو، أبحث عن رد أو صد من الحكومة، أحاول العثور على مسئول حكومى يتحدث، أو مصدر حكومى أعلن بياناً، أو حد من ريحة الحكومة أو من طرفها قال كلمتين لمذيع، فلا أجد، أنتظر حتى الصبح أتنقل بين مواقع الصحف السيارة و«الجالسة» كمان لعل وعسى يفلت لسان مسئول هنا أو هناك بكلمة.. ولكن تضيع كل مجهوداتى سدى.

تصورت أن الحكومة متواطئة مع برامج التوك شو فى اتفاق مؤداه أن يخرج المذيعون بتحذيرات وترويع الناس الآمنين مما سيحصل، حتى يستقبلوا الأمور بعلم حينما تحصل ولا يتعاملون معها بردة فعل عنيفة، لكنى انتبهت بسرعة وهربت من مخيلتى، فأى حكومة تلك التى تقطع إصبعها وترشق السكين فى قلبها حتى تصيب الناس بالخوف منها.

سألت نفسى: ما الفارق بين رئيس حكومة ورئيس مجلس إدارة؟ وقلت لنفسى الأول مسئول عن حياة شعب، إنما الثانى مسئول عن تنظيم شئون إدارته مش مسئول عن شئون الموظفين وأحوالهم المعيشية، فسألت نفسى مجدداً: هو إحنا عندنا رئيس حكومة؟ ولا عندنا رئيس مجلس إدارة؟

بعد عناء ومرور زمن عثرت على ردود الحكومة ومواجهتها لحالة الترويع والتخويف التى عاشها الشعب على مدار أسبوع، ماذا قالت الحكومة؟ قالت: وضعنا خطة لنضمن توافر المخزون من السلع الأساسية لمدة 6 أشهر. طب والله خير.. وبعدين؟

توقعت أن هناك «كمالة» للتصريح تتعلق بموضوع التعويم و«التغريق» لكنى لم أجد أى شىء، لا من رئيس الحكومة، ولا من محافظ البنك المركزى، ولا من وزراء الاقتصاد أو المالية ولا حتى من وزير شئون البرلمان، ولم أجد رئيس البرلمان يسأل الحكومة هو فيه إيه، ولا نائباً خرج علينا حاملاً سيفه سائلاً: الحكومة فين؟ وإيه اللى بيحصل؟

وحتى الآن لم تصدر الحكومة أى تصريح عن تعويم الجنيه بالتأييد أو بالنفى، وما زالت الحكومة تبحث عن السلع الأساسية فى المخازن، وتطلب من وزارة المالية توفير الأموال المطلوبة للاستيراد، وما زال الناس يشعرون بالفزع والرعب مما سمعوه وشاهدوه فى برامج التوك شو، ولم يجدوا من يهتم بأمرهم ويوضح لهم ما سيحدث فى شئونهم.

أغلب الظن أن الحكومة مشغولة بالبحث عن مايوه مناسب للجنيه لما تقرر تعويمه.. بجد عندنا حكومة من بنها.