مفاهيم مهمة تبتذلها السياسة (2)

عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي

كاتب صحفي

لا يمر يوم فى السياسة المصرية دون حديث عن «حوار وطنى» يدعو إليه البعض ويرفضه البعض الآخر ويسفه منه البعض الثالث، وفى جميع الأحوال يشوه مفهوم الحوار ويختزل فى ممارسات ومواقف تذهب بمصداقيته وفاعليته. فالأصل هو أن الحوار بين القوى والأطراف المشاركة فى السياسة، حكما ومعارضة وأحزابا وحركات وجماعات وشخصيات عامة، يمثل أداة رئيسية للإدارة السلمية للاختلاف فى الرؤى والأهداف والمصالح وصولا إلى توافقات تضمن تحقيق صالح المجتمع والدولة العام. لذلك يرتبط بالحوار كأداة فى السياسة مجموعة إضافية من الأدوات كالوساطة والتفاوض، ودوما ما تتعدد مساراته من قياديين فى القوى السياسية إلى تنفيذيين وحركيين مرورا بوسطاء غير رسميين كى تتنوع طرق البحث عن توافقات وقواسم مشتركة. وفى مراحل الانتقال الديمقراطى، بأزماتها المتكررة والنواقص الكثيرة التى ترد على أداء السلطات المنتخبة ومؤسسات الدولة (تناولتها بالأمس)، يصبح لتوظيف ذى مصداقية وفاعلية لأداة الحوار دور رئيسى فى تجاوز الأزمات وبناء توافق وطنى حول إدارة مراحل الانتقال ليس لصندوق الانتخابات فقط أن يأتى به. مفهوم الحوار هذا، تلك الأداة المهمة لإنجاح الانتقال الديمقراطى، تبتذله السياسة المصرية كل يوم. فالحكم، الرئيس وجماعته وحزبها وحلفاؤهم، يتخذ القرارات المصيرية بشأن الدستور وقوانين الانتخابات والحكومة وقضية النائب العام منفردا ودون تشاور ثم يدعو قوى المعارضة إلى ما يسميه حوارا وطنيا! هنا تنزع المصداقية عن أداة الحوار التى تتحول إلى واجهة «إعلامية» للداخل وللخارج لتمرير القرارات الانفرادية أو إدخال تعديلات محدودة عليها بعد تفعيلها. وهذا جوهر ما حدث حين قرر الرئيس إلغاء إعلان الاستبداد الرئاسى 21 نوفمبر 2012 دون إزالة آثاره، وكذلك حين قرر الحكم (وبعد تأكيدات فى الاتجاه العكسى أشدنا بها) الطعن على حكم القضاء الإدارى وقف الانتخابات البرلمانية ودفع مجلس الشورى لإعداد قانون جديد مع التأكيد العلنى على احترام القضاء ودعوة المعارضة لحوار حول قانون الانتخابات. أما المعارضة فتسهم أيضاً بعض دوائرها فى نزع المصداقية والفاعلية عن الحوار كأداة للإدارة السلمية للاختلاف وتجاوز الأزمات وإنجاح الانتقال الديمقراطى عبر الاكتفاء برفض تحايل الحكم والامتناع عن المشاركة فى «حوارات الرئاسة» ولو من باب الكشف للرأى العام وعدم التوجه لتقديم طرح متكامل لحوار جاد توظف به كل استراتيجيات الوساطة والتفاوض وبناء التوافق الوطنى بعيدا عن الحكم وتتنوع مساراته ومستوياته. وبالقطع، يسهم فى نزع المصداقية والفاعلية عن الحوار كأداة غياب الثقة والشكوك المتبادلة ونظرة بعض دوائر الرأى العام للحوار بين الحكم والمعارضة كمرادف صفقة سياسية أو بحث بعض ممارسى السياسة عن مصالح شخصية. والنتيجة هى أزمات تتراكم وسياسة عاجزة بحكمها ومعارضتها ونقطة لاحكم نقترب منها.