ليس بالقانون.. لكن بالتنمية تتوقف الهجرة غير الشرعية

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

من العادات المصرية المألوفة والمعتادة أننا، الشعب والدولة، لا نعتبر بالمؤشرات ولا التحذيرات، ولا ننتبه إلى الكوارث والمصائب إلا بعد وقوعها، حينها يستيقظ الإحساس بالخطر بعد أن تنتج آثاره السلبية البشرية والمادية. فكم من حرائق مدمرة طالت أسواقاً عامرة بالمتاجر والبضائع والعاملين والمتعاملين، وآخرها حريق سوق الرويعى بالعتبة الذى استمر لأكثر من يومين فى شهر مايو الماضى، وأسفر عن مقتل ثلاثة، وعشرات الإصابات، فضلاً عن خسائر مادية قُدرت بملايين الجنيهات؟

كذلك تتكرّر حوادث القطارات التى تزيد على المعدلات العالمية، حيث يبلغ عددها فى المتوسط 1440 سنوياً يذهب ضحيتها المئات من البشر وملايين الأموال والوقت الذى هو من ذهب! وكانت أسوأ تلك الحوادث حادثة قطار الصعيد التى وقعت عند العياط وقُتل فيها أكثر من ثلاثمائة وخمسين مسافراً واستمر القطار فى سيره لمسافة تسعة كيلومترات، والنار مشتعلة به. وكذلك تتكرر حوادث المزلقانات وغرق المعديات والصنادل النهرية فى النيل، وتكون النتائج كارثية. أما حوادث السيارات على الطرق وانهيار العقارات ومئات الضحايا الذين يفقدون أرواحهم بشكل يكاد يكون يومياً، فحدث عنها ولا حرج. ولقد استجدت فى قاموس الحوادث المصرية أنماط جديدة منها تشقق الكبارى وانهيار الجسور حتى قبل تسلمها من المقاولين، ووفيات الطلاب فى المدارس، نتيجة انهيار الأسوار والبوابات عليهم، وتسمم الكثيرين نتيجة فساد الأطعمة منتهية الصلاحية. وزاد على كل ذلك الفساد فى صوامع القمح وخلط المحلى بالمستورد الفاسد، ناهيك عن التوريدات الوهمية لآلاف الأطنان، وما كشفت عنه لجنة تقصى الحقائق بمجلس النواب!

كل تلك الكوارث والرزايا تحدث والدولة عامرة بجهاز إدارى يكتظ به ما يقرب من سبعة ملايين موظف فى الوزارات والهيئات والمصالح والمجالس العليا والمراكز والأجهزة المركزية والإدارات المحلية، وترسانة عامرة بالقوانين واللوائح تُعد بالآلاف يعود بعضها إلى عصر محمد على، مؤسس مصر التى كانت حديثة وقته وأصبحت الآن دولة قديمة متهالكة، أو كما وصفها الرئيس السيسى بأنها «شبه دولة»! والناس الطيبون فى بلدى يشاركون فى صُنع تلك الحوادث، مخالفين القوانين ومعرّضين أنفسهم للتهلكة!

ومن سمات «أشباه الدول» كما أسلفنا، غيبة الإدراك الشعبى والرسمى عن مؤشرات تكوُن المخاطر وعدم الإحساس بالتهديدات إلى أن تقع الكارثة، حينها يعود الوعى الشعبى والرسمى، فتنعقد الاجتماعات الرسمية، سواء الرئاسية أو الحكومية، وذلك حسب خطورة الكارثة! وتصدر التصريحات الرسمية على جميع المستويات للتعبير عن الألم عما حدث من وفيات وتقديم التعازى لأسر المتوفين والتمنيات للمصابين بالشفاء العاجل. وتكون توجيهات المسئولين بسرعة إزالة آثار الحادث الأليم وتأكيد عدم تكراره هى أهم ما يتصدّر عناوين الصحف ونشرات الأخبار!

ويُصاحب نوبة الصحيان تلك أمور ثلاثة يمكن لأى مصرى توقّعها قبل الإعلان الرسمى عنها؛ وهى تنظيم جنازات رسمية أو شعبية للمتوفين، وصدور قرار بعلاج المصابين على نفقة الدولة، وصرف تعويضات لأسر الضحايا والمصابين من وزارة التضامن الاجتماعى، وقد يتطوع بعض المحافظين بصرف تعويضات إضافية من المحافظة المنكوبة بغية تسجيل موقفه لدى رؤسائه. والأمر المؤكد أنه سوف يصدر قرار بسرعة إعداد قانون للتعامل مع الحادث أو تعديل قانون قائم لتغليظ العقوبات على المتسبّبين فيه! وفى بعض الحوادث والكوارث، وحسب آثارها الكارثية، قد يصدر توجيه لرئيس الوزراء بالانتقال إلى موقع الحادث، ليؤكد اهتمام الدولة بما جرى، وإن كانت تلك الزيارات غير ذات جدوى لانتهاء الحدث!

تلك المقدّمة الطويلة تنطبق تماماً على كارثة غرق مركب يحمل عدداً غير معروف من المصريين وغير المصريين [يقال إنهم سبعمائة] كانوا يخططون لهجرة غير شرعية عن طريق البحر الأبيض المتوسط، قاصدين دولة، قد تكون إيطاليا، حالمين بفرصة للحياة!!!!!!

ورغم تعدُّد كوارث غرق مراكب الموت التى غالباً ما تكون قرية «كفر مغيزل» بكفر الشيخ نقطة انطلاقها، أو رشيد كما فى الحادثة الأخيرة، فإن السيناريو المصرى لا يختلف، اجتماعات وتوجيهات وصرف تعويضات وزيارة متأخرة لمسئول كبير، وتأكيدات بسرعة التعامل مع آثار الحادث وعدم السماح بتكراره، ثم إصدار قانون!

والغريب أن مشروع قانون «مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب اللاجئين» كان مجلس الوزراء قد أقره فى جلسته يوم الأربعاء 25 نوفمبر 2015 برئاسة رئيس مجلس الوزراء الحالى شريف إسماعيل!!!!! وينص مشروع القانون على العقوبات الخاصة بجرائم الهجرة غير الشرعية، والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة فى حالتنا الكارثية الآن هو «ما/ أو من الذى حال بين مشروع القانون الذى أقره مجلس الوزراء قبل عام تقريباً، وبين العرض على مجلس النواب، وقد انتهى دور انعقاده الأول، ومَن المتسبّب فى تأخير عرضه للموافقة عليه، تمهيداً لإصداره من رئيس الجمهورية؟».

والغريب أن التوجيهات الرئاسية، وما دار فى الاجتماع الطارئ لمجلس الوزراء يوم السبت الماضى، لم يتضمن أى شىء يتعلق بإجراء دراسة لأحوال هؤلاء الراغبين فى الفرار من الوطن ومحاولة التعرّف على دوافعهم للمخاطرة بأرواحهم، فضلاً عما يتكبّدونه من أموال يتقاضاها سماسرة الهجرة غير الشرعية! هل هو الفقر والبطالة وسوء أوضاعهم فى العشوائيات التى يتكدّسون بها، وما إذا كانوا قد أتيحت لهم فرص للتعليم؟ وما أوضاعهم الاجتماعية والصحية؟

من ناحية أخرى، لقد كثر الحديث عن أجهزة تشغيل الشباب التى أنشئت فى المحافظات دونما ذكر لما يتم تحقيقه على الأرض؟ وأشار الرئيس فى اجتماعه لمناقشة حادث مركب رشيد إلى مبادرة توفير 200 مليار جنيه لإقراض الشباب لإقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة، ولم يذكر أىٌّ من المجتمعين مع سيادته كمّ المعوقات التى تحول بين الشباب والاستفادة من هذه المبادرة رغم الإعلانات مدفوعة الأجر فى الفضائيات التى يمولها بعض البنوك المشاركة فى هذا المشروع، وقد يكون من المفيد صدور توجيهات من الرئيس بشأن تيسير تلك المعوقات والإعلان عما تم تحقيقه من أهداف المبادرة.

وكانت حكومة إبراهيم محلب قد أعلنت أوائل سنة 2015 عن مشروع قومى لتشغيل الشباب تحت اسم «أيادى» وهو تعاون بين الحكومة والشركات الخاصة لخلق فرص عمل وتدريب كوادر بشرية وتمويل مشروعات صغيرة للشباب، والسؤال المطروح أيضاً هو ما مصير ذلك المشروع؟ وماذا تحقق منه؟

إن مزيداً من القوانين أو تغليظ العقوبات لن يُنهى مشكلة الهجرة غير الشرعية ما دامت أسبابها قائمة فى الوطن لأعداد متزايدة من الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكان اختيارهم الهجرة، لكنهم ضلوا السبيل ولم يعقلوا قول الحق سبحانه وتعالى: «وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً» صدق الله العظيم [سورة النساء - الآية 100].

إن ما يمنع الناس من هجر وطنهم ليس القانون، لكنها التنمية وخلق فرص العمل وتفعيل الدستور، وما نص عليه من أُسس العدالة الاجتماعية.